أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

388

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 201 إلى 206 ] إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ( 201 ) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ( 202 ) وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 203 ) وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 204 ) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ ( 205 ) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ( 206 ) قوله : طيف . قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي « طيف » ، والباقون « طائِفٌ » بزنة « فاعل » . فأما « طيف » ففيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مصدر من : طاف يطيف ، ك « باع يبيع » . وأنشد أبو عبيدة : 2389 - أنّى ألمّ بك الخيال يطيف * ومطافه لك ذكرة وشعوف « 1 » والثاني : أنه مخفف من « فيعل » ، والأصل : « طيّف » بتشديد الياء ، فحذف عين الكلمة ، كقولهم - في ميّت - : ميت ، وفي ليّن : لين ، وفي هيّن : هين . ثم « طيّف » الذدي هو الأصل يحتمل أن يكون من طاف يطيف ، أو من طاف يطوف ، والأصل : طيوف ، فقلب وأدغم ، وهذا قول أبي بكر بن الأنباري . والثالث : أن أصله : طوف ، من طاف يطوف ، فقلبت الواو ياء . قال أبو البقاء : « قلبت الواو ياء « وإن كانت » ساكنة ، كما قلبت في « أيد » ، وهو بعيد » . قلت : وقد قالوا أيضا - في « حول » - : « حيل » ، ولكن هذا من الشذوذ بحيث لا يقاس عليه . وقوله : « وإن كانت ساكنة » ليس هذا مقتضيا لمنع قلبها ياء ، بل كان ينبغي أن يقال : وإن كان ما قبلها غير مكسور . وأما « طائِفٌ » فاسم فاعل يحتمل أن يكون من طاف يطوف ، فيكون ك « قائم وقائل » ، وأن يكون من طاف يطيف ، فيكون ك « بائع ومائل » . وقد زعم بعضهم أن « طيفا وطائفا » بمعنى واحد ، ويعزى للفراء ، فيحتمل أن يرد « طائفا » ل « طيف » فيجعلهما مصدرين ، وقد جاء « فاعل » مصدرا ، كقولهم : « أقائما وقد قعد الناس » ، وأن يرد « طيفا » ل « طائف » ، أي : فيجعله وصفا على « فعل » . وقال الفارسي : « الطيف » كالخطرة ، و « الطائف كالخاطر » . ففرق بينهما . وقال الكسائي : « الطيف » : اللّمم ، و « الطائف » : « ما طاف حول الإنسان » . قال ابن عطية : وكيف هذا ؟ وقد قال الأعشى : 2390 - وتصبح من غبّ السّرى ، وكأنّها * ألمّ بها من طائف الجنّ أولق « 2 » ولا أدري ما تعجبه ؟ وكأنه أخذ قوله : « ما طاف حول الإنسان » مقيدا بالإنسان ، وهذا قد جعله طائفا بالناقة ، وهي سقطة ، لأن الكسائيّ إنما قاله اتفاقا ، لا تقييدا . وقال أبو زيد الأنصاري : « طاف : أقبل وأدبر ، يطوف طوفا

--> ( 1 ) البيت لكعب بن زهير انظر ديوانه ( 84 ) ، والطبري ( 13 / 335 ) ، اللسان « ذكر » . ( 2 ) تقدم .